مصطفى لبيب عبد الغني
226
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
- قد بان من جميع ما ذكرنا أن الإنسان ليس من شئ واحد ، بل من أشياء كثيرة . وأن فيه صاعدا حارا ، كالبخار ، وباردا هابطا كلحمه وسائر جثته ، ويابسا جامدا كعظامه ، وسائلا منحلا ، كأخلاطه ، وأنه يجمع هذه كلها كيفيات أربع : حر ، وبرد ، ورطوبة ، ويبس . - ليس كل مركب يظهر تركيبه للعين ، ما لم يكن ممتزجا كالخاتم والفص ، والنصل والنشّاب . فأما ما كان متداخلا فإنا نعلم ذلك منه بالقياس ، دون العيان كالسكنجبين أو مرهم الاسفيذاج . وجميع ما نرى في المنظر واحدا ، وهو مركب من اثنين أو أكثر . - وقد رد الفاضلان أبقراط وجالينوس على من قال إن الإنسان مركب من أجزاء لا حس فيها ، وعلى من قال إنه من الماء ، أو من الأرض وحده في كتاب « الاسقطسات » . والأمر في أن الإنسان ليس من ماء فقط أو هواء بيّن ظاهر من جهة حركة أعضائه الجامدة إلى الوسط وهو السّفل ؛ وأبخرته عن الوسط وهو العلو . فأما ردهما على من قال إن اسقطساته الأبعد هي أجزاء صغار لا تحس ، فليس يصح . وذلك أن هؤلاء القوم ليسوا يقولون : إن هذه الأجزاء هي اسطقس قريب ، بل اسطقس بعيد ، وأنها اسطقس النار والماء والأرض والهواء . ويقولون : إن الإنسان مركب منها ومن النفس فالحس من النفس والحياة ، والجثة من هذه . وقد ذكرت ما لهم في هذا المعنى في كتابي « في الشكوك التي على جالينوس » . ( ص 17 - 21 ) في البدن المعتدل المزاج - ينبغي أن يعلم أن البدن المعتدل المزاج قد يكون في عظيم الجثة وصغيرها . وذلك أن اعتدال المزاج إنما هو في الكيف لا في الكم . - الأطباء يسمون المزاج الغير المعتدل ، مزاج سوء . ويجرى في كلامهم « سوء المزاج » بهذا المعني . فإذا استولى سوء المزاج على كلّيّة البدن ، أو العضو ، ذهب